1- من
هو الشَّيخ عبيد ؟ :
الحمد
لله ، وصلَّى وسلَّم على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمَّا بعد :
فبادئ
ذي بدء ، أقول ليست سيرتنا بالَّتي تَشْرئبُّ لها القلوب ، وتتهيَّأ لها الأسماع ،
فأولئك الأئمَّة الَّذين عرف النَّاس عوامُّهم وخواصُّهم سابقتهم في الفضل ،
والإمامة في الدِّين وجلالة القدر ، ومن مشائخ الإسلام عندنا في هذا العصر :
سماحة
الوالد الإمام الأثري الفقيه الشَّيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وسماحة الإمام
المحدِّث بلا منازع في هذا العصر الشَّيخ ناصر الدِّين رحمه الله ، وسماحة الإمام
الفقيه المجتهد المحقِّق الشَّيخ محمَّد بن صالح العثيمين رحمه الله ، فأنا أقول :
هؤلاء شيوخ الإسلام في هذا العصر وإن اغتاض من اغتاض، واستشاط غضبًا من استشاط ،
وهذا اعتراف منَّا لهم بجميل الفضل والإحسان علينا ، ولا ينكر هذا من يعرف قدرهم
.
وثانيًا
: ما عندى هو جهد الــمُقلٍّ ، ولكن ما دمتم طلبتموه وألححتم علينا فيه ، فلن نبخل
به عليكم ولا على من وراءكم من إخوانكم وأبنائكم ، فأنتم ردؤنا ونحن ردؤكم إن شاء
الله ، والجامع بيننا ليس النَّسب ولا الصِّهر وإنَّما هي السُّنَّة ، والمحبَّة في
ذات الله سبحانه وتعالى ، فنحن معًا نوالي فيها ونعادي فيها ونحبُّ فيها ونمنع فيها
ونعطي فيها ، ولاشيء عندنا غير ذلك .
أقول :
الإسم : عبيد بن عبد الله بن سليماني الحمداني الجابري
.
الحمداني : قبيلة من بني جابر ، وبنو جابر بطن من بطون مسروح بن
حرب ، ومساكننا في الأصل "وادي الفرع" و"الفقير" خاصَّة ، وهذه من أعمال المدينة
النَّبويَّة ، وهي تقع على طريق مكَّة ، بينها وبين المدينة نحو مائة وخمسين كيلوا
مترًا ، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً ، ولدتُ في تلك البلدة الَّتي هي " الفقير "
بـــــ " وادي الفرع " حسب ما يقال في عام سبعة وخمسين وثلاثمائة وألف 1357 هــــ ،
وأمضيت هناك سنين ، ثمَّ انتقلت مع والدي رحمه الله إلى " مهد الذَّهب " في خمسة
وستِّين وثلاثمائة وألف 1365 هـــــ .
وفي عام
واحد وسبعين وثلاثمائة وألف تلقيَّت بداية التَّعليم في المدارس الحكوميَّة ،
وأمضيت فيه ثلاث سنوات ، ثمَّ عدنا إلى بلدتنا " الفقير " بـــــ " وادي الفرع "
وذلكم في شهر شوَّال على ما أظنُّ من عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف ، واستوطنا
المدينة على ما أظن في شهر محرَّم أو صفر من عام أربعة وسبعين وثلاثمائة وألف إلى
هذه السَّاعة .
انقطعتُ
عن التَّعليم لأمور شخصيَّة وعائليَّة بتقدير الله سبحانه وتعالى مدَّةٌ من الزَّمن
، ثمَّ بدأت التَّعليم من جديد في عام واحد وثمانين وثلاثمائة وألف ، وكان مستمرًّا
.
بدءًا
من دار الحديث المدنيَّة، فمعهد المدينة العلمي، فكليَّة الشَّريعة بالجامعة
الإسلاميَّة، وتخرَّجت فيها أوَّل عام اثنين وتسعين وثلاثمائة
وألف.
بعد ذلك
بدأت العمل في وزارة المعارف أنذاك ، والآن مَسمَّاها وزارة التَّربية و التَّعليم
، وانتقلت إلى الجامعة في عام أربعة وأربعمائة وألف ، وبالتَّحديد في يوم الأحد
الثَّامن والعشرين من ذي الحجَّة ، وعيِّنت مدرِّسًا في المعهد الثَّانوي ، وكنت
قبل ذلك في مركز الدَّعوة بالمدينة ، وفي عام خمسة وأربعمائة وألف فُرغت للدِّراسات
العليا ، فكان ولله الحمد أن حقَّق الله أمنيتي هناك ، فعُيِّنت في الماجستير – قسم
التَّفسير - ، وأنا لا أزال مدرِّسا في المعهد الثَّانوي ، ولكن فُـــرِّغت
للدِّراسة ، وفي الثَّاني عشر من ربيع الأوَّل عام تسعة وأربعمائة وألف حصلت على
الماجستير في التَّفسير هذا ما يتعلَّق بالسِّيرة الاجتماعيَّة والعلميَّة
.
2-
الكتاب الَّذي حقَّقتموه والَّذي كان رسالة الماجستير هل هو كتاب التَّفسير من صحيح
البخاري ؟
هو
موضوع وليس تحقيقًا ، كان موضوع الرِّسالة " تفسير محمَّد بن
كعب القُرطبي جمعًا ودراسة " جمعته من نحو عشرين كتابًا ، لأنَّ تفسيره لم
يشمل القرآن كلَّه ، شمل بعض السُّور ، بل بعض السُّور فيها كلمة واحدة ، فاجتمع
نحو أربعمائة وهي على ما أظنُّ تزيد أو تنقص قليلاً ، بها نلت الماجستير
.
3- من
هم الشيوخ الَّذين أخذت عنهم أو أدركتهم من المشايخ الكبار وأهل الحديث وغيرهم
؟
بالنَّسبة لدار الحديث المدنيَّة ، أكثر صحبة كانت للشَّيخ عمر ابن
محمَّد فلاته رحمه الله ، كان هو مدير الدَّار آنذاك ، وكان يُعنى بي – جزاه الله
خيرًا – ويهتَّم بأموري ، وكنت ذا علاقة طيِّبة معه
.
وأمَّا
المشايخ الَّذين تلقيَّت منهم الدُّروس بدار الحديث ، أذكر على سبيل المثال : الشَّيخ سيف الرَّحمن بن أحمد الدَّهلوي رحمه الله ، والشَّيخ
عمَّار بن عبد الله المغربي رحمه الله ، والشَّيخ أحمد الجاوي رحمه الله ، والشًّيخ
يوسف الهندي رحمه الله ، والشَّيخ حامد بن بكر كتبي والشَّيخ فلاته رحمه
الله ، وغيرهم هذا بدار الحديث بالمدينة
.
أمَّا
في المعهد العلمي فكثير ، أذكر على سبيل المثال من الأساتذة : الشَّيخ عودة بن طارق الأحمد رحمه الله ، والشَّيخ خير الله ابن
خليفة الحذيفي ، والشَّيخ عبد الرَّحمن بن عبد الله العجلان ، وهو إلى عهد
قريب يعطي دروسًا في المسجد الحرام ، كذلك الشَّيخ محمَّد بن
عبد الله العجلان وهو أخوه ، والشَّيخ عبد الله بن عبد العزيز الخضري رحمه
الله ، وهذا وَفَدَ علينا من القصيم كان مدرسًا في بعض معاهد القصيم ، ثمَّ
بعد ذلك انتقل إلى المدينة.
وفي
الجامعة الإسلاميَّة على سبيل المثال : الشَّيخ أبو بكر
الجزائري والشَّيخ عبد المحسن العبَّاد والشَّيخ حمَّاد ابن محمَّد الأنصاري رحمه
الله ، وآخرون .
4-
فضيلة الشَّيخ ! ... هل تذكرون من درس معكم من الطَّلبة يوم كنتم في الجامعة
الإسلاميَّة وصاروا من أهل العلم ؟
نعم ،
تزاملنا في المعهد العلمي حتَّى نهاية كليَّة الشَّريعة أنا والشَّيخ صالح بن سعد
السّحيمي ، وكذلك أخوه الشَّيخ ذياب ابن سعد السّحيمي ، والشَّيخ ابن نصري القحطاني
، والشَّيخ صالح بن عبد الله المحيسن من أهل القصيم ، وهذا ليس في المعهد العلمي بل
في الكليَّة ، هؤلاء الَّذين درسنا معهم مستمرِّين من المعهد العلمي إلى نهاية
كليَّة الشَّريعة ، ثمَّ بعد ذلك انضاف إلينا آخرون ، وكثير منهم لا أذكر أسماءهم ،
أذكر واحدًا اسمه حامد ابن مسعود التَّميمي لا أدري أخباره
.
5- هل
لكم أن تذكروا لنا بعض الشُّيوخ الَّذين تأثَّرتم بهم في حياتكم العلميَّة سواء من
المتقدِّمين أو من المتأخِّرين ؟
والله ؟
أكثر من تأثَّرنا بهم الشَّيخ حمَّاد بن محمَّد الأنصاري رحمه الله ، والشَّيخ عبد
المحسن وفَّقه الله .
6- هل
للشَّيخ ذكريات يحتفظ بها في المدينة النَّبويَّة وبالأخصُ في المسجد النَّبوي أو
الجامعة الإسلاميَّة مثلاً ؟
ليس
هناك شيء يلفت النَّظر ويثير الانتباه غير ما ذُكر ، لكن كنَّا – ولله الحمد –
حريصين على التَّحصيل الدِّراسي ، وتخرَّجت – ولله الحمد – في كليَّة الشَّريعة
بتقدير ممتاز ، والأوَّل على الدُّفعة ، الشَّيخ عبد المحسن وفَّقه – يذكر هذا - ،
والَّذين زاملوني يذكرون هذا .
7- هل
كان لفضيلتكم علاقة بالشَّيخ ابن باز رحمه الله وكيف كانت
؟
نعم ،
الشَّيخ عبد العزيز كنتُ على اتِّصال به حين التحقت بالجامعة ، كان أوَّل عام
التحقت به في الجامعة هو عام ثمانية وثمانين وثلاثمائة وألف ، كان نائبًا لرئيس
الجامعة ، كنت على اتِّصال به وأزوره حتَّى تخرَّجت ، فلمَّا تخرَّجت وكان هو رئيس
الجامعة الإسلاميَّة ، كان يعرفني ، لكن قويت العلاقة حينما انتقلت من التَّعليم
إلى رئاسة البحوث العلميَّة – مركز الدَّعوة بالمدينة هناك قويت العلاقة ، وذلكم
فيما أظنُّ أنَّه بمجرَّد ما باشرت العمل في المركز ، منتقلاً من التَّعليم إلى
رئاسة البحوث العلميَّة والإفتاء والدَّعوة والإرشاد ، الشَّيخ رحمه الله كان هو
الرئيس العام لإدارة البحوث العلميَّة والإفتاء والدَّعوة والإرشاد ، بُليت
بالإدارة ، فكنت معاونًا للمدير في حضوره وأنوب عنه في غيابه ، فكان اتِّصالي
بالشَّيخ كثيرًا جدًّا ، وكنت ضمن المستقبلين حينما يأتي لإدارة مجالس الجامعة ،
فكان يعرفني كثيرًا ، وجزاه الله خيرًا يقرَّبني منه ، حتَّى بعدما انتقلت من مركز
الدَّعوة إلى الجامعة الإسلاميَّة وأتيت فإذا ذهب النَّاس قال :
اقترب منِّي - يا عبيد الله - هل عندك أخبار ؟ فكنت أحدِّثه بما جئت إليه من أجله ،
أحدِّثه ببعض الأمور ، فيستجيب لا يردُّ لنا طلبًا رحمه الله ، ويوم كنت في
مركز الدَّعوة ، تكون الاتِّصالات بينــي وبينه كثيرة جدًّا في الهاتف ، فأستشيره
في بعض الأشياء ، وأبنــي على المحادثة الَّتي جرت بيني وبينه فأكتب للجهة المسؤولة
، فكانوا يلبُّون الطَّلب جزاهم الله خيرًا .
8- هل
للشَّيخ من انطباع حول مجلَّة " الإصلاح " ؟ وهل من نصيحة يوجِّهها إلى إدارتها
ومحرِّريها وقرَّائها ؟
أوَّلاً : أنا قراءتي قليلة في الصُّحف والمجلاَّت ، قليلة جدًّا
، لأنِّي مشغول بما تيسَّر من التَّحصيل العلمي وبالدَّعوة ، وإلقاء الدُّروس في
المساجد ، هذا جانب .
وجانب
آخر : ليس عندي شخص يداول معي ليلاً ونهارًا ، ليس عندي كاتب (1) ، وأحيانًا يكون عندي كاتب أقضي أنا وإيَّاه الوقت في
مسائل علميَّة من الكتب ، ولكن – ولله الحمد – المجلَّة موثوقة عندي ومزكَّاة من
المشائخ الموثوقين عندنا ، ومنهم الشَّيخ عبد الله بن عبد الرَّحيم البخاري حفظه
الله وغيره (2) ، هذا من حيث المجلَّة ، وأنا على علم –
والحمد لله – بمنهجها الحسن الجميل .
والَّذي
أوصي به الاستمرار والجديَّة مع الحكمة ، الحكمة ضالَّة المؤمن أين ناشدها وجدها ،
وكذلك الطَّرح الجيِّد العلمي المحض الَّذي من وقف عليه إن كان الله مريدًا له
الخير قبل واهتدى ، ونفع أو انتفع ، وإن كان ممَّن غلبت عليه الشّقوة تقوم عليه
الحجَّة ، فحسب تجربتنا :
المنصفون الَّذين يطالعون الرُّدود العلميَّة المحضة قسمان
:
قسم فيه
خير ويقبل ويفيد ويستفيد ، والقسم الآخر تقوم عليه الحجَّة ، لأنَّه بلغه الحقُّ
وعرفه واستنكف عنه وأبي عنادًا ، نحن لا حيلة لنا في هؤلاء النَّاس ، نحن نبذل ما
عندنا من النُّصح القائم على العلم وحسن الخطاب والرِّفق قدر الإمكان ، وإن كان
كنَّا نشتدُّ حيث يستدعي الأمر الشِّدَّة ، وهذا هو هدي رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ، هذا من الحكمة ، حيث ينفع الرِّفق واللِّين نسلكه ، وحيث لا ينفع إلاَّ
الشِّدَّة والقوَّة مع حكمة وحسن زجر ، بعيدًا عن السَّبِّ والشَّتم فنحن نسلكه ،
وهذا وذاك كما أسلفت هو هدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
والقرَّاء – أيضًا – أوصيهم بان يقرؤوا قراءة متبصِّر ، متشوِّف إلى
الحقِّ ، متطلِّع إليه ، محبًا له ، وراغبًا فيما يوصله إليه ، فهذا هو الَّذي
يُفيد من هذه المجلَّة الموثَّقة ومن غيرها .
أمَّا
من أخذ عددًا من المجلَّة أو كتابًا أو رسالة صغيرة وليس همُّه إلاَّ المطالعة فقط
، فهذا لا يفيد ولا يستفيد ، لا ينفع ولا ينتفع
.
9-
عندنا وبالأخصِّ الشَّباب السَّلفي في الجزائر ، لاشكَّ أنَّكم تسمعون عنهم وعن
أخبارهم ، وهم متواجدون بكثرة في المدينة وفي مكَّة وفي غيرهما ، واتِّصالاتهم
عليكم كثيرة من الجزائر ، نرغب منكم أن تخصُّوهم بنصيحة وتوجيه ، وهل ترون أنَّ ما
هم عليه الآن من الحرص على السُّؤال وطلب العلم يؤهِّلهم لمزيد من التَّحصيل
؟
أوَّل
ما أوصــي به أبناءنا عندكم ، وفي كلِّ مكان أن يلتفُّوا حول فضلاء القُطر ،
وعلمائهم والمشائخ الَّذين لهم صدق قدم وسبق عهد الدَّعوة إلى الله ، أوصيهم أن
يوقِّرهم ويرتبطوا بهم ، ويلتفُّوا حولهم ، إن أمكن مواجهة ومشافهة فهذا أولى ، وإن
لم يمكن فبالإتِّصال وبتتبُّع الأخبار ، فما جعل الله سبحانه وتعالى من أوتوا العلم
في أيِّ قُطر إلاَّ نورًا وحصنًا ، نورًا يستنير به ويستضــئ به من أراد الله لهم
الهداية ، وحصنًا للأمَّة من توارد الشُّبهات والشَّهوات ، فإذا انفصلت الأمَّة عن
علمائها تكون هناك الهلكة إلاَّ ما رحم الله .
ونحن
نعلم – كما تعلمون – أنَّ الشِّرك فشَا قبيل نوح صلَّى الله عليه وسلَّم حينما عبدت
الأصنام الخمسة ، كلٌّ من يعوق ويغوث وود وسواع ونسر ، نُصبت تماثليهم أوَّلاً
للذِّكرى ، فلمَّا هلك الصَّالحون والعلماء أوحى الشَّيطان إلى هؤلاء الجهلة أنَّ
آباءكم ما صوَّروا هذه الصُّور إلاَّ ليعبدوها ، فعبدوها في الحديث الصَّحيح ما
يؤكِّد هذا ، قال صلَّى الله عليه وسلَّم : " إنَّ اللهَ لاَ
يَقْبِضُ العِلْمَ يَنْتَــزِعُهُ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ النَّاس ، ولَكِنْ
بِمَوْتِ العُلَمَاءِ ، حتَّى إذَا لَـمْ يَبْقَ عَالِــمٌ ، أوْ قَالَ : لَــمْ
يُبْقِ عَالــمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئلُوا فَأفْتَوْا
بغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَّلُّوا " ، وهذا أيضًا يؤكِّده الواقع ،
فكلَّما التفَّ النَّاس حولَّ فضلائهم وإخوانهم الَّذين سبقوهم في الدَّعوة ولهم
أيضًا خبرة كان التَّراصُّ والتَّلاحم والتَّعاضد والتَّناصر والوعي أقوى ، وما
أحسن ما قاله أمير المؤمنين رابع الخلفاء الرَّاشدين ، رضي الله عنه وعنهم أجمعين :
" النَّاس ثلاثة : عالم ربَّاني ، ومتعلِّم على سبيل نجاة ،
وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق " همج رعاع كلُّ من تكلَّم تبعوه ، وظنُّوا أنَّ
ما عنده الحقّ ، وما أكثرهم في هذا الزَّمان ، لماذا ؟ لأنَّ النَّاس عزفوا عن
علمائهم ، وزهدوا فيهم ، بل تلقُّوا عن أهل الأهواء السُّخريَّة بأهل العلم ،
وتلقيبهم بأشنع الألقاب وأبذئها ، من فحش الكلام ، ولهذا كانوا مصيدة ، إلاَّ ما
رحم الله ، فما علا السُّويدان والقرضاوي وصالح المغامسي
إلاَّ حين قلَّت رغبة النَّاس في العلم وأهله وزهدوا في العلم وأهله ، فأنا أوصــي
الشَّباب وكذلك غيرهم بهذه الوصايا ، وحجَّة الله قائمة وغالبة ، مضت سنَّة الله
سبحانه وتعالى أن يَحْيَـــي من حيَّ عن بيِّنة ، ويهلك من هلك عن بيِّنة ، وما
أحسن ما قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " لا يزال
النَّاس صالحين متماسكين ، ما أتاهم العلم عن أصحاب محمَّد وأكابرهم ، فإذا أتاهم
العلم عن أصاغرهم هلكوا " الأصاغر : أهل الأهواء والجهَّال
.
وابن
سيرين رحمه الله يقول: " إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمَّن
تأخذون دينكم "
وهذه
الوصيَّة الغالية الجميلة الثَّمينة مصداقها من سنَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه
وسلَّم قال عليه السَّلام : " الــمَرْءُ عَلَى دِينِ
خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ "
.
10-
سؤال متعلِّق بما يسمَّى بظاهرة الفتور ، والإعياء عن تحمُّل العلم الشَّرعي
الموروث عن العلماء ، هذه الظَّاهرة الَّتي للأسف الشَّديد نالت حتَّى الخاصَّة من
النَّاس كطلبة العلم المتخرِّجين من الجامعات الإسلاميَّة ، فنحن نعاني من هذا ،
فنطلب من الشَّيخ هل له من نصيحة لهؤلاء أصلح الله أحوالهم وهداهم حتَّى يندمجوا مع
إخوانهم السَّبَّاقين والعاملين في ميدان الدَّعوة إلى الله عزَّوجلَّ ؟
لاشكَّ
هذه الظَّاهرة موجودة في كلِّ مكان ، ونحن في الحقيقة نقول يجب على هؤلاء أن يسهموا
مع من سبقهم ، ويقوُّوا من على شاكلتهم حتَّى ينضمُّوا إلى ركب الدَّعوة إلى الله
سبحانه وتعالى على بصيرة ، لأنَّ هذا الفتور يعقبه مع طول الزَّمن وتقادم العهد
تفكُّك وتمزُّق لشمل الدُّعاة إلى الله عزَّوجلَّ ، ولا يسلم إلاَّ من سلمه الله
.
فنحن في
الحقيقة نعتب عليهم حينما يتفرَّغون لأمور الدُّنيا وينسون ما تحملُّوه من العلم ،
ثمَّ هو جناية عليهم هم ، لأنَّهم ينسون ما تحملُّوه من العلم في الشَّرع وغيره ،
وفي العقيدة والمنهج ، وفي جميع الفقه في دين الله ، فيصبحون كالعوامِّ ، وقد وصل
الأمر أيضًا بالكثير منهم إلى أنَّهم لا يفرِّقون ولا يميِّزون ، فقد يرُوج عليهم
باطل في قالب حقٍّ ، وبدعة في قالب سنَّة ، ومنكر في قالب معروف ، وهذا باب خطير
جدًّا ، قطعُ الطَّريق وسدُّه يكون بالالتفاف بإخوانهم الَّذين سبقوهم ، والَّذين
عاصروهم ، والتَّكاتف في ميدان الدَّعوة إلى الله بما يتيسَّر لهم ، وحبَّذَا لو
أنَّ كلَّ خرِّيج تعيَّن في مسجد ، وينشر خلاله الدَّعوة إلى الله عزَّوجلَّ ،
يذكرون أنَّ الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله لَمَّا توفيَّ شيخه ابن السَّعدي رحمه
الله أوَّل ما بدأ بواحد ، وأحيانًا يغيب الطَّالب ، ثمَّ وصل العدد إلى الثَّلاثة
فكان يعطي الثَّلاثة مثل ما يعطي المئات من العلم ، ثمَّ بعد ذلك وصل طلاَّبه إلى
المئات ، والآن ولله الحمد طلاَّبه متفرِّقون في العالم الإسلامي دعاةً ، الكثير
منهم دعاة إلى الله عزَّوجلَّ على بصيرة .
11– هل أنتم الآن
راضون حاليًا ومتفائلون مستقبلاً عن حال الدَّعوة السَّلفيَّة في ربوع العالم
الإسلامي خاصَّة مع قيام ما يسمَّى الآن بالثَّورات السِّياسية فيها
؟
نحن
نطمع ونخاف من ذلك ، نجمع بين الخوف والطَّمع فلا نيأس من رَوْح الله ، ويمكن
نتضجَّر ممَّا تعجُّ به السَّاحة من شبهات وتقليب الحقائق ، وظهور رجال ليسوا أهلاً
للدَّعوة لجهلهم بالشَّرع ، ولكن أمران :
الأمر الأوَّل : الإيمان الجازم بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يضيع
هذه السُّنَّة ، ولا يضيع الدَّعوة السَّلفيَّة ، لأنَّها هي دين الله ، الَّذي جاء
به النَّبيُّون والمرسلون ، بدءًا من نوح وختمًا بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
على الجميع .
وممَّا
يؤكِّد هذا في القلوب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا
تَزَالُ طَائِفَةٌ منْ أُمَّتــي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ
خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِــيَ أمْرُ اللهِ تَعَالَى
"
وثانيًا : يسلينا حينما نرى تهافت النَّاس على ما يلقي في
السَّاحة من الباطل والمنكر من شهوات وشبهات ، يسلِّينا قوله تعالى
:{
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ } [ المائدة: 105 ]
، ونتسلَّى كذلك ونقرع به أسماع من يحبُّنا في ذات الله ، ويحبُّ سماع نصائحنا
وآرائنا وإن كانت قليلة بأقوال أهل العلم ، وبأقوال الأئمَّة ، من ذلكم قول الفضيل
بن عياض رحمه الله : " عليك بطرق الهدى ولا يضرُّك قلَّة
السَّالكين ، وإيَّاك وطرق الضَّلالة ولا تغتـــرَّ بكثرة الهالكين " وما
أحسن ما قاله أبو عثمان النَّيسابوري رحمه الله : " من أمَّر
السُّنَّة على نفسه قولاً وعملاً نطق بالحكمة ، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً
وعملاً نطق بالبدعة " ، وقد عُرف بالاستقراء والنَّظر إنَّ من تجرَّد
للسُّنَّة وخالطت بشاشتها قلبه وأحبَّ أهلها لا تضرُّه الأهواء ، ولا يضرُّه ما
يحاك لأهل الإسلام من المكائد ، من الشُّبهات حول أهل الإسلام ، لأنَّه تجرَّد
للسُّنَّة ، وأمَّا من تجرَّد للأشخاص وامتلأ قلبه بهم فرأى أنَّهم هم أهله
وخاصَّته فهذا تغلب عاطفته عقله فينحرف وراء من كان مقرَّبًا إليه ويُلبس عليه
أنَّه لا يخطئُ ، مبررِّين بمبرِّرات من بينها كثرة جهوده ، فكيف تُهدر جهوده ، هذا
من إفرازات قاعدة المعذرة والتَّعاون " نتعاون فيما اتَّفقنا
عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه " راجت بينهم ، مع أنَّهم يبغضون
القاعدة ، لكن هذا منها وراجع عليه ، ولعلَّه يشير إلى هذا الانقسام قوله صلَّى
الله عليه وسلَّم : " تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ
عَرْضِ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فأيُّــمَا قَلْب أنْكَرَهَا نُكِتَ فيهِ
نُكْتَةٌ بَيْضَاء ، وأيُّــمَا قَلْبٍ أشْرِبَهَا نُكِتَ فيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاء ،
حَتَّى تَعُودَ [ يعني القلوب ] عَلَى مِثْلِ الصَّفَا لاَ
تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وعَلَى مثلِ الكُوزِ
مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إلاَّ مَا أُشْرِبَ
مِنْ هَوَاهُ " ، والمقصود أنَّ المسلم يلزم ما عرف من السُّنَّة ، ويدع عنه
ما يروج في العامَّة من الخلط والخبط وغير ذلك من الغثاء والخبث ، فلم يجعل الله
عزَّوجلَّ طريقًا إلى النَّجاة من الفتن إلاَّ الاعتصام بكتابه وسنَّة نبيِّه صلَّى
الله عليه وسلَّم ، وهدي الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين من بعده صلَّى الله عليه
وسلَّم .
12-
فضيلة الشَّيخ ! .... تعرفون – بارك الله فيكم – أنَّ خصوم الدَّعوة السَّلفيَّة ،
خاصَّة في هذا الزَّمان كُثر في نظركم مَنْ أخطرُهم
؟
أوَّلاً : الصِّراع بين الحقِّ والباطل هذا من عهد النُّبوَّة ،
والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان بين المشركين في مكَّة ، ثمَّ بعد ذلك كان
حوله المنافقون في المدينة ، عبد الله بن أُبَي بن سلول رأس النِّفاق وعصابته ،
وممَّا ووجِه به صلَّى الله عليه وسلَّم وهو منه بريء ، قول ذي الخويصرة التَّميمي
أخزاه الله ، حين اعترض على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قسم الغنائم ، قال
: اعدل يا محمَّد ؟ واللهِ إنَّها قسمة ما أريد بها وجه الله
، فلمَّا قال عمر رضي الله عنه : دعني أَضرب عنقه يا رسول الله ؟ قال: دعه، فإنَّ
له أصحابا يحقر أحدكم صَلاتَهُ مع صَلاَته وصيامه مع صيامه، يَمْــــرقُونَ منَ
الدِّين كَمَا يَمْــــرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّميَّةِ " ، فحدث بعده
السَّبئيَّة أتباع عبد الله بن سبأ بن وهب الرَّاسبــي اليمني اليهودي الَّذي أسلم
نفاقًا وكيدًا لأهل الإسلام ، فما انتهي أمرهم حتَّى قتلوا الخليفة الرَّاشد عثمان
بن عفَّان رضي الله عنه ، ثمَّ خرجت الخوارج ، وجاءت بعد ذلك الأهواء من قدريَّة
ومرجئة ومجبرة إلى غير ذلك .
0 تعليقاتك تهمنا:
إرسال تعليق