بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال: أريد دراسة ألفية العراقي ووجدت فتح المغيث صعوبة نوعا ما ، فهل من شرح مبسَّط يفك عبارة الألفية ؟

الجواب:

تريد دراسة ألفية العراقي !!، ما معنى دراسة ألفية العراقي، يريد أن يحفظ أو يدرس؟ إذا أراد الدراسة بمعنى مدارسة والقراءة وإفهام العبارة، فلا بد فيها من شيخ يعلّم ويحفّظ، يحفظك ويعلمك؛ حتى تضبط المتن أولا ثم تفهم دلالات تلك العبارات، وإلا مالذي قفز بك إلى ألفية العراقي إذا كنت ترى صعوبة في كلام السخاوي ؟ مع أن كلام السخاوي من أبسط الكلام وأيسره، كلامه يسير وسهل لكن الإنسان -كما قلت للإخوان غير مرة - في الخارج عندما يسألون: التدرج في العلوم مطلوب وأساس وسنة متبعة عند السلف من قديم ودلت عليها نصوص الوحيين من الكتاب والسنة وعليه درج السلف، والتدرج على قسمين: تدرج في الفنون وتدرج في الفن الواحد، والذي لا يتدرج لا يمكنه أن يصل، لا يعني ذلك أن الطلبة كلهم في مستوى واحد من حيث الفهم والذكاء يتفاوتون، مداركهم متفاوتة قطعا، لكن لا يعني كونه أذكى قليلا أو فيه فطنة زائدة أنه يتخطى سلَّم التدرج، طالب يفهم حذق عنده حذق, العبارة إن نطقت بها مرة أو مرتين فهمها وانتهى، وبعضهم يحتاج منك إلى أن تعيدها ثلاث أربع خمس مرات، وقد يستوعب أو يفهم ولكن يفهم جزء من المعلوم، فالطلبة متفاوتون، كون الطالب يفهم إذا ما علم -الأستاذ الذي يدرسه أو الشيخ الذي يعلمه- وجد منه حذقا وفهما وجدَّة ونشاطا وأدبا رقَّاه، يرى أن هذا الطالب يمر على العبارات المختصرة الأولية هذه ليهضمها ويفهمها ويرتقي به مباشرة، هذه من الأداب الواجبة على المعلم تجاه المتعلم وذلك من وجوب النصح له وأن لا يخلّط عليه المسائل، وأن لا يدخلها عليه حتى لا يتعسر عليه فهمه.
الإمام عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله له رسالة نفيسة فائدة في أداب المعلم والمتعلم ومالذي يجب على المعلم ومالذي يجب على المتعلم، وكيف يجب على المعلم أن يعلم المتعلم ...لا بد من النصح، فإذن وأنا ذكرّت قبل في أوائل شرحنا لهذا الكتاب، قلت: الذين بدؤوا وإخواننا الذين تأملوا ودرسوا حضورهم ينفعهم تدرج معنا وأتى، أما الذي ما علم وما درس سيصعب عليه، مع أننا نوضح قدر الاستطاعة العبارة بحيث نفتت ونعرف ونبين يفهم الطالب نوعا ما ، لكن ايضا يستغلق عليه وسيستغلق عليه، التدرج سنة متبعة، ازدحام العلم على السمع مضلة الفهم، قال الإمام الزهري -رحمه الله - لتلميذه يونس بن يزيد كما في الإلماع للقاضي عياض بإسناد صحيح -قال: يا يونس : (العلم أودية إن نزلت أو قطعت واديا أو دخلت واديا قطعت أو قطعك دون أن تصله -أن تبلغه - ولكن خذه مع الليالي والأيام ، فمن رام العلم جملة فاته جملة )، وفي المصنف لعبد الرزاق عن الإمام معمر ابن راشد قال: (من رام العلم جملة فاته جملة) إذن هذا السنن الذي سلكه الأئمة وأوصى به الإمام الزهري هذا الإمام البحر يوصي تلميذه يونس بن يزيد الإمام الثقة،هذه الوصية النافعة" خذه مع الليالي والأيام "رويدا رويدا، كثير من الطلبة وكثير من الإخوان يشتكون؛ يجلس السنة والسنتين والأربع والخمس والسبع والعشر والعشرين - كما يقولون-: (مكانك راوح) عنده من كل بحر قطرة، يعني الذي يعبر عنه بالثقافة الإسلامية، إذا ما تكلم في هذه المسألة -مثلا في المصطلح- قال: قال فلان وقال علان عنده نتفة، وإذا تكلم في النحو قال ابن آجروم وقال ابن هشام نتفة، وإذا ما راح للفقه قال صاحب العمدة ابن قدامة عنده نتفة وهكذا نتفة من هنا ونتفة من هنا ونتفة من هنا وظن المسكين أنه قد حصل علما وما حصل، ما فيه صبر وما فيه تدرج، لا يمكن أن يأتي العلم إلا بصبر مع تدرج وقبل ذلك إخلاص وتوفيق من الله -جل وعز - سابق، قيل للإمام اللشعبي: بما حصلت هذا العلم؟ قال: (بالسير في البلاد، وبنفي الاعتماد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب ) هذا هو، نفي الاعتماد ما فيه كسل ولا تواني، وصبر صبر الجماد لو طرقت على هذا بيدك أو بمطرقة من حديد ما أنّ وما صاح، كله استعجال يريدون العجلة وما يعلمون أن العجلة من الشيطان.
زد على هذا إذا لم يوفقك الله عزَّ وجل لصحبة صالحة تدلك على الخير وترشدك ، إذا لم يوفقك الله لصحبة صالحة تعينك وتشد من أزرك فإذا نسيت ذكرك وإذا ذكرت أعانك ثق تماما ثمة الهلاك؛ لأن الصاحب ساحب ثق تماما،
فكم الذين يقطعون الطريق على طلاب العلم والمثبطين عن حلق أهل العلم من أهل السنة: كثير, صحيح ؟، يضرب أميالا يأتي إلى هذه البلاد فتجده في الأروقة هنا وهناك أو في الأزقة عاكفا فيما يظن أنه علم أو أنه يتعلم وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لا يؤخذ العلم من الصحفيين) ، وقال الإمام الوليد بن مسلم رحمه الله : ( اقرؤوا القرآن من أفواه الرجال ولا تأخذوه من الصحف)، كم الذي ضلُّوا وانحرفوا عندما أخذوه من الصحف؟ قد يكون حصلا قليلا بعض النتف "الثقافة الإسلامية" لكنه فاته جوهر مهم وهو التعلم على أيدي أهل العلم.
ومن لم يذق ذلَّ التعلم ساعة تجرَّع كأس الجهل طول زمانه
ومن أعظم ما يفوته الأدب، ثق تماما أن هؤلاء الصحفيين لا أدب عندهم، لا أدب عندهم ولو تظاهر بالأدب، قال الإمام محمد ابن سيرين - ولهذا أنا أقولك لك هذه المقولات وأربطك بسلف الأمة حتى تعلم أن هذا الذي يسلك هذا السبيل هل هو على هذا السنن أو أنه مشى على الأمر الذي حذر منه الأئمة - قال الإمام محمد بن سيرين - كلكم يعرف هذه المقولة: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون) يعني تتلقون، وقال رحمه الله: (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم) هذه المعاني يظنها بعض الطلاب وبعض الإخوة -هداهم الله- أنها يسيرة ، لا توجع رأسنا بها، لا، تفويتها تفويت لخير عظيم والواقع خير شاهد، انظر يمنة وانظر يسرة أمامك وخلفك ستجد مثل هذا كثير، أليس كذلك؟ كل يوم تأتيك الأسئلة بالعشرات من هنا وهناك، يا شيخ في بلدنا لا يوجد علماء ولا يوجد طلاب علم نتصل كذا, نستفتي, نتعلم, فإذا ما جاء بين طلاب العلم والعلماء والمشايخ جاءه قطاع الطرق فأعطوه تلك الإبرة إبرة التخدير والتثبيط فإذا به يترنح يترنح حتى يرتمي في أحضان أمثال هؤلاء الصحفيين، لا هم الذين أيدوه وعلموه وفقههو ولا هم الذين تركوه يلزم حلق أهل العلم فيتعلم، فهؤلاء المحرومون.
سألني سائل مرة قال : يا شيخ حكم العمرة في يوم عرفة؟ قلت: مابه؟ قال: هل يحوز؟ أطرقت إطراقة، قلت: الذي بلَّغك بيت الله في يوم عرفة مالذي يمنعك من أن تحج؟ أنت في المشعر أليس كذلك؟ في الموطن، مالذي يمنعك من الحج؟ الحكم جائز لكنَّك محروم وهذا صحيح إلا اللهم إن كان العذر قاهرا في أنه لا يستطيع الحج إلا اللهم العمرة, هذا لا علاقة للجواب به إنما من كان قادرا نشيطا لا مانع له وصل بيت الله الحرام وطاف به وسعى وفي عرفة والناس تقف في صعيد عرفة في ذلك الموقف الطاهر وفي تلك النفحة العظيمة نعم ويترك الحج ويعتمر!! نحن لا نقول غير جائز، نقول : جائز لكنك محروم، هكذا الذين بأتون فيُحرمون أليس كذلك، فما أكثر المثبطين كما قلت، والله إنك لتجد كثيرا والإخوة يعانون وبعض الطلبة ويشتكي ويتكلم ويتصل, من بعض إخوانه هنا من سوء أخلاقه وسوء أدبه وسوء معاملته ، لأنه لا يرى باب الأدب باب مهم في أن يتعلمه وأن يتأدب به، للطالب أداب يجب أن يتحلى بها مع نفسه وقبل ذلك مع ربه ثم مع نفسه ثم مع إخوانه ومنها أداب مع شيخه، هذه المعاني لو لم تكن مهمة ما طرقها العلماء وما ألفوا فيها مفردات وما ضمنوها كتبهم أليس كذلك؟ المتقدم منهم والمتأخر ألف.
هذا الإمام البخاري كتاب الأدب المفرد ، هذا الإمام البيهقي ألف كتابا مفردا أسماه الأداب وغير ذلك فالذي يظن أن باب الأدب باب ثانوي لا يستحق ذلك إنه محروم مخذول لأن التوفيق ما معناه؟ التوفيق يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مبينا معناه في الفوائد : أن التوفيق أن يهديك الله للطاعة تعرف الطاعة ويعينك عليها، إذا ما كان لديك عون وما أعانك الله عزَّ وجل بها ما استطعت، قال: والخذلان أن يكلك الله إلى نفسك.
فهذه بارك الله فيكم أداب وأمور وهذه الشكاية ليست عندكم ولا هنا ولا واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا عشرة الذين يشتكون منها وكل يوم تسمع هذه الشكاية، بعض الطلبة له سنوات طوال مالذي درست لو سألت،


الجواب: أنا أبحث يا شيخ في مكتبة الحرم ويخرِّج ويخرج، يخرِّج وهو يظن أنه يخرِّج الحديث وإذا به يخرج عن سنن أهل العلم وما يعلم المسكين أنه قد حرم كالعيص في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

نسأل الله جلًّ وعز للجميع التوفيق والسداد وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.