أولًا:أن يدعو الله -جل وعلا- أن يفتح عليه وأن يشرح صدره فالدعاء سببٌ عظيم، عليه أن يكثر من الدعاء "ربِ اشرح لي صدري"، "ربِ زدني علما"، قال -جل وعلا- لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فكان-صلى الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية يكثر من قوله "ربِ زدني علما، ربِ زدني علما"، فعليك أن تنطرح بين يدي الله وأن تسأله -جل وعلا- أن يفتح عليك وأن يحبب إليك العلم وأن يشرح صدرك هذا أولًا.
وثانيًا:عليك أن تسلك الأسباب المعينة فمن ذلك تقوى الله -جل وعلا- فإن التقوى لها الأثر العظيم ﴿ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ ﴾ فإذا اتقيت الله - جل وعلا- قذف لك النور في قلبك وفتح عليك
ثالثًا:عليك أن تصحب أهل الهمة العالية الذين أخذوا أنفسهم بالجد والحزم والعزم
فإنْ أرَدْتَ رُقِيًّا نَحوَ رُتْبَتِهِمِ *** ورُمْتَ مَجْدًا رفِيعًا مِثْلَ مَجْدِهِمِ
فاعْمَدْ إلَى سُلَّمِ التقوَى الذِي نَصَبُوا *** واصْعَدْ بِعَزْمٍ وَجُدَّ مِثْلَ جِدِّهِمِ
واجْهَدْ بِعَزْمٍ قَوِيٍّ لا انْثِنَاءَ لَهُ *** لَوْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ قَدْرَ العِلْمِ لَمْ يَنَمِ
اُبذل كل ما تستطيع في هذا وعليك بمصاحبة الأقوياء الجادين، وإياك أن تنزل إلى من هو مثلك أو دونك من الضعفاء، لأن هؤلاء يهبطونك فاصحب الماجد القوي في هذا الجانب فإنك تنتفع به فعليك بذلك، وأيضًا احرص في هذا الجانب على
الأمر الرابع: وهو الاختيار للمعلم والمتن فإن العلم لا يمكن أن تأتي عليه كله، صعب ولو عمرت ما عمرت، فاختر من كل فنٍ أحسنه كتبًا متونًا ثم تقرأها على المفيد الناصح، المفيد الذي يفيدك في علمك هذا الذي تقرأ المتن عليه، والناصح الذي يبتدئك بالنصيحة إن رآك بحاجةٍ إليها وإن لم تسأله،
وما حوى الغاية في ألف سنة *** شخص فخذ من كل فنٍ أحسنه
بحفظ متنٍ جامعٍ للراجح *** تأخذه على مفيدٍ ناصح
فلابد من اختيار والانتخاب فخذ المشهور وإياك والمغموروثانيًا: تأخذه على المفيد الذي يفيدك في هذا الفن وعلى الذي ينصح لك بما يراه إذا رأى ما هو أولى منه وثالثًا : لابد في هذا من الحفظ فالمحفوظ وإن قل ينفع الله به، فهو الذي يبقى في القلوب ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فمدح الله هذه الأمة بأن علمها في صدورها
عِلمي مَعي حَيثُما يَمَّمتُ يَنفَعُني *** قَلبي وِعاءٌ لَهُ لا بَطنُ صُندوقِ
إِن كُنتُ في البَيتِ كانَ العِلمُ فيهِ مَعي*** أَو كُنتُ في السوقِ كانَ العِلمُ في السوقِ
تَكْتُبُ الْعِلْمّ وَتُلْقِي فِي *** سَفَرٍ ثُّم لاَ تَحْفَظُ لاَ تُفْلِحُ قَطُّ
إِنَّمَا عِلْمُكَ مَا تَحْفَظُهُ *** مَعَ فَـهْمٍ وَتَوَقَّى مِنَ غَـلَطْ
وأحسن ما يكون من الأسباب التي تعين بعد توفيق الله على الحفظ شرح الشباب ومداومة النظر، أن يكون الإنسان جادًا في أول عمره وشبابه فإن مرحلة الشباب مرحلة قوة الحافظة فإن البخاري-رحمه الله تعالى- سئل عن أعظم سببٍ أو عن سبب حفظ العلم قال: "شرح الشباب ومداومة النظر" فالمداومة للنظر في الكتاب يورثك الحفظ أو قريبًا من الحفظ، استظهار في الغالب، تستظهر أكثره تستحضر أكثر مما يغيب عنك فلابد من ذلك، وشرح الشباب سن الصغر مُهم جدًا، فعليك في أول أمرك إذا كنت في صغرك في أول شبابك أن تركز على الحفظ كتاب الله سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- المتون المعتبرة المحررة عند أهل الإسلام في جميع الفنون ولهذا"العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء"هذا من حيث الجملة، وإلا تعلم أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- وكانوا كبارًا لكن الفرق بيننا وبينهم أن الحافظة عندهم ليست كالحافظة عندنا فأذهانهم وقادة وذاكرتهم سيالة والحافظة قوية عندهم -رضي الله تعالى عنهم- فاليوم الشواغل كثيرة والهموم كثيرة والأسباب المحاربة للحفظ أكثر وأكثر فنحن ننصح الطالب في صغره وفي أول شبابه يركز على الحفظ لأن الحسن البصري يقول هكذا كما سمعتم "العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء
*"أَرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْتُ فِي الْكِبَرِ *** وَلَسْتُ بِنَاسٍ مَا تَعَلَّمْتُ فِي الصِّغَرْ
وَلَوْ فَلَقَ الْقَلْبَ الْمُعَلِّمُ فِي الصِّبَا *** لأَلْفَى فِيهِ الْعِلْمَ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ
وَمَا الْعِلْمُ بَعْدَ الشَّيْبِ إِلا تَعَسُّفٌ *** إِذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرْ
وَمَا الْمَرْءُ إِلا اثْنَانِ عَقْلٌ وَمَنْطِقٌ *** فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ دُمِّرْ
0 تعليقاتك تهمنا:
إرسال تعليق