الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين . . . أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى قد امتن على عباده في كتابه الكريم حيث يقول عز وجل:
والمعنى: أن الله سبحانه يذكر عباده بأول خلقهم وبدايته حين ولدوا وهم لا
يعلمون شيئا، ولا يدركون بحواسهم لا المرئي ولا المسموع، ولا تعقل قلوبهم
شيئا، ثم إنه سبحانه يمن على عباده بهذه الآلات السمع والبصر والفؤاد، التي
هي أصول آلات الإدراك، فبالسمع يدرك المسموعات، وبالبصر يدرك المرئيات
وبالقلب يعقل ما رأى وما سمع، بل وما لم يسمع مما يحس به، ثم إنه سبحانه
لما بين لعباده عظيم منته ونعمته عليهم ختم الآية بقوله: أي: أن الله سبحانه إنما خلق هذه الآلات لكم لتقوموا بحق الله فيها من الشكر، وهذا كقوله سبحانه:
وشكر الله على هذه النعم وغيرها من النعم إنما يكون باستعمالها في طاعته سبحانه، وما يقرب إلى مرضاته، وإن أعظم ما استعملت فيه هذه
(الجزء رقم :
5، الصفحة رقم:
6)
الآلات هو طلب العلم، وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في الآية الكريمة حيث قال:
إذن فاستعمال تلك الحواس في طلب العلم الشرعي هو من أعظم الأمور التي بها
يكون شكر الله على إنعامه علينا بهذه النعم؛ ذلك أنا لا نستطيع عبادة الله
حق العبادة ولا القيام بحقه علينا إلا بالعلم بما أراده منا مما أخبرنا به
في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد نوه الله سبحانه وتعالى بمكانة هذا العلم الشرعي ومكانة أهله في كثير من آي الكتاب العزيز، حتى إن أول ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله تعالى: (1) (2) (3) (4)
فأخبر سبحانه عن نفسه بأنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ امتنانا منه على عباده.
من هنا تبين أن الكتابة من أهم وسائل العلم، تحصيلا، وتعليما، بل الكتابة
هي الجامعة لوسائل العلم من كونه ذهنيا ولفظيا ويجمعهما كونه رسميا، أي
مكتوبا.
وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فاتخذ للوحي كتبة من الصحابة عرفوا بأنهم كتاب الوحي، وقال مرة: اكتبوا لأبي شاه ، وقال : وقد أشار إلى فيه صلى الله عليه وسلم: اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق .
ولم يزل العلماء يكتبون العلم والحديث، ويتدارسونه بينهم، حتى أضحت
الكتابة من سيما أهل العلم، وحتى صار ضبط الكتاب عندهم أقوى وأوثق من ضبط
الصدر، وهكذا دون العلم بدءا بالقرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه
وسلم وحتى آخر العلوم تدوينا ، فدون الفقه وأصوله والنحو والإعراب واللغة
والتأريخ والسير والملاحم، وغيرهم ذلك كثير من العلوم الشرعية أو العلوم
المساندة التي يستفيد منها طالب العلم الشرعي، حتى وصل إلينا في هذا العصر
ثروة عظيمة من كتب أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في دراسة العلم وتحقيق
مسائله.
ولما حبا الله هذه البلاد المباركة بجميع من العلماء الأجلاء الأفاضل
الذين نحسبهم ولا نزكيهم على الله من خيرة علماء السنة في هذا العصر- قام
ولاة الأمر وفقهم الله لرضاه بوضع هيئة لكبار العلماء في هذا البلد يجتمع
فيه مجموعة من العلماء الكبار -علماء وديانة- يبحثون فيما يردهم من
المسائل، وما يستجد من النوازل، ويتدارسونه من خلال جلساتهم، ويتداولون
الرأي فيه؛ ليخرجوا بقرار يرون أنه الحق الموافق لشرع الله عز وجل.
(الجزء رقم :
5، الصفحة رقم:
8)
وقد كانت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، هي المكلفة بإعداد
البحوث العلمية الخاصة بالمسائل التي ستدرس في كل جلسة، وقد قامت بواجبها،
فجمعت على مر السنين بحوثا متنوعة في العقيدة والفقه والنوازل، قيدت فيها
كلام كثير من أهل العلم المعتبرين في فنونهم، وجمعتها على أحسن نظام، فتكون
لديها عبر السنين مجموعة من البحوث النافعة المفيدة.
وقد رأينا أن من المصلحة نشر هذه البحوث، والحال أنها كما سبق بحوث مفيدة
مليئة بالعلم الشرعي، فتوجهت النية لطبعها، وها نحن الآن نضع بين يدي طلاب
العلم الجزءين: الخامس والسادس من أبحاث هيئة كبار العلماء.
نسأل الله الكريم أن ينفع بها قارئها وكاتبها ودارسها، وأن يجزي من ساهم في إعدادها وطبعها ونشرها خير الجزاء.
كما أسأله سبحانه وتعالى: أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما
ينفعنا وينفعنا بما علمنا، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا يوم لقاه، وأن يبلغنا
به عنده الرضوان، إنه سبحانه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
0 تعليقاتك تهمنا:
إرسال تعليق